خدماتنا

الاستقراء والاستنباط في البحث العلمي

 

مع تقدّم وتطوّر الوعي البشري على مرّ العصور تطوّرت معه أنواع ومجالات العلوم الإنسانية والاجتماعية، كما تطوّرت أيضاً أساليب المنهجيّة البحثيّة في هذه العلوم وظهرت منها عدة أنواعٍ أهمّها: الاستقراء والاستنباط.

حيث إن الاستقراء والاستنباط هما لبِنَة البحث العلميّ الأساسية، كما أنهما منهجين متكاملين يمكن للباحث العلمي من خلالهما جمع المعلومات البحثيّة وإخضاعها للتحليل والمحاكمة واستخلاص النتائج منها، حتى يصل إلى الأجوبة التي يحتاجها.

وفي المقال أدناه سنقدّم للقارئ نظرةً شاملةً ووافية عن هذين المنهجين وأنواعهما والعلاقة والفرق بينهما في آنٍ معاً.

الاستقراء والاستنباط ومفهوم كلٍّ منهما:

المنهج الاستنباطي: فهو العملية العقليّة التي تجعل من العام منطلقاً لها ومن الخاص منتهاها، بمعنىً آخر الانتقال من العام إلى الخاص الأكثر تحديدًا.

وفي بعض الأحيان تسمى هذه العملية العقليّة نهج "من أعلى إلى أسفل". حيث نبدأ فيه بالتفكير في نظرية عامة حول موضوع معيّن، ثم نحصر ذلك في فرضيات أكثر تحديدًا يمكننا اختبارها.

فنقوم بذلك بتضييق نطاق التفكير وحصره شيئاً فشيئاً لنتمكّن من معالجة الفرضيات، وهذا ما يقودنا في النهاية إلى أن نكون قادرين على اختبار الفرضيات ببيانات محددة (لتأكيد أو عدم تأكيد النظرية الأصلية العامة.)

المنهج الاستقرائي: فهو نهجٌ عقلي يتّبع أسلوباً على النقيض تماماً من سابقه، حيث ينتقل من الملاحظات المحددة إلى التعميمات والنظريات الأوسع.

 ويُطلق عليه في بعض الأحيان نهج " من أسفل إلى أعلى". كيث نبدأ فيه بملاحظات وقياسات محددة، ونبدأ في اكتشاف الأنماط والانتظام، وصياغة بعض الفرضيات المؤقتة التي يمكننا استكشافها، وأخيراً ننتهي إلى تطوير بعض الاستنتاجات أو النظريات العامة.

أمثلة عملية على كلٍّ من الاستقراء والاستنباط:

في مفهوم كلٍّ من الاستقراء والاستنباط قلنا إنه من خلال المنهج الاستنباطي نستطيع الحصول على معلومة خاصة من معلومة عامة، وكمثال على ذلك نقول:

  • البشر إما ذكرٌ أو أنثى، والذكر يموت والأنثى تموت، إذا فالبشر يموتون. فقد استنتجنا من خلال المثال أن البشر يموتون (كل البشر) بطريقة استنباطيَّة، لكن النتيجة هنا مساوية للمقدمة التي ساهمت في تكوينها؛ لأن الذكر والأنثى يمثِّلان جميع البشر.

وأما المنهج الاستقرائي، فنستطيع من خلاله الحصول على معلومة عامة من معلومة خاصة كما ذكرنا آنفاً، وكمثال على ذلك نقول:

  • هذه القطعة من الحديد تتمدَّد بالحرارة، وهذه القطعة من الألمونيوم أيضاً، والأخرى من النحاس كذلك تتمدد بالحرارة، فنصل إلى نتيجة كلية، وهي أن كلُّ معدن يتمدَّد بالحرارة.

ونرى من هذا أن النتيجة كانت أكبر من المقدمة، فنحن عند حكمنا على المعدن بالتمدُّد بالحرارة لم نتتبع جميع أنواع المعادن، بينما تناولت النتيجة جميع الأنواع بشكل عام.

مراحل تطبيق المنهج الاستنباطي:

يبدأ تطبيق المنهج الاستنباطي أو المنهج الفكري الاستنباطي من المبادئ الأساسية المسبقة التي تركز بالدرجة الأولى على فرضيّات ومسلّمات يُبنى عليها البرهان العقلي بهدف الوصول إلى الحقيقة العلمية للظاهرة المُراد دراستها.

وبتعبيرٍ آخر، يمكن القول بأن الاستنباط هو نتاج عمليّة عقليّة بحتة لا تشوبها شائبة، وأنه بهذا يمكم الوصول إلى الحقيقة الخالصة للظاهرة المدروسة.

مراحل تطبيق المنهج الاستقرائي:

يجب لتطبيق المنهج الاستقرائي أن يتّبع الباحث العلمي خطوات أساسيّة مهمّة يرتكز عليها في بحثه والتي تتمثل بالآتي:

  1. تحديد الظاهرة المُراد دراستها.
  2. تحديد أو الإحاطة الكاملة باحتمالاتها المختلفة.
  3. جمع البيانات والمعلومات عنها ثم فرزها وتصنيفها وترتيبها بشكل منتظم.
  4. وضع القواعد العامّة والبدء بعدها بالانتقال إلى التطبيق والتجربة.
  5. التوصل إلى النتائج النهائية وتحديد تأثيرها.

أنواع الاستقراء:

عكس الاستنباط فإن هناك نوعان مختلفان لمنهجيّة الاستقراء وهما:

  • الاستقراء الكامل

هو استقراء يقيني يقوم على ملاحظة جميع تفاصيل ومفردات الظاهرة المُراد دراستها لإصدار الحكم الكلي عليها. وهذا ما يبدو غير عملي للبعض من الناحية الواقعية نظراً لما يحتاجه من دقّة الملاحظة لجميع عناصر الظاهرة بتفاصيلها. إضافةً إلى أن هناك من يعتبر بأن هذا النوع من الاستقراء استنباطاً لأنه لا يتبع منهجية الاستقراء المتمثّلة بالسير من الخاص إلى العام بل تأتِ النتيجة مساوية للمقدمة.

  • الاستقراء الناقص

هو استقراء غير يقيني يقوم الباحث العلمي فيه بدراسة بعض تفاصيل ومفردات الظاهرة دراسة شاملة، ثم يقوم بتعميم النتائج على الكل، وهو نمط الاستقراء الأكثر شيوعاً نظراً لواقعتيه والقدرة علة تطبيقه في عمليات البحث العلمي.

نقد الاستنباط وبعض عيوبه

يعتبر المنهج الاستنباطي ضرباً من ضروب الفلسفة المثالية أو (اليوتوبيا) الغير واقعية، على الرّغم من أن بعض منتهجيها يقولون بأنها الطريق الأمثل الذي يمكن من خلاله الوصول إلى النتائج اليقينيّة الثابتة.

ولكن بالمقابل، فإنّ هناك الكثير من الانتقادات التي وُجِّهَت إلى هذا النمط المنهجيّ البحثيّ، فقد أفاد بعض منتقدوه أنّ جوانبه تشتمل على الكثير من القصور الذي يعيقه عن مواكبة المستجدّات في الدراسات السياسيّة والاجتماعية، نظراً لأنه يتّجه في جوهره من الجزء إلى الكلّ أو من الخاص إلى العام.

نقد الاستقراء وبعض عيوبه

كما سابقه فقد وُجِّهَت لهذا المنهج البحثيّ أيضاً العديد من الانتقادات ولُوحِظَ فيه أيضاً بعض العيوب المتمثّلة فيما يلي:

  • أنّ تأثير هذا المنهج البحثيّ كان فلسفياً رغم تأثيره العلميّ والواقعيّ أيضاً بنفس القدر.
  • النتائج التي يمكن الوصول إليها من خلال هذا المنهج البحثيّ احتمالية وليست يقينية.
  •  لا يبيّن هذا المنهج الاستقرائي نوعيّة التوازن بين كنه وحقيقة الاشياء وكمّيتها.

الفرق بين الاستقراء والاستنباط

كما تبيّن مما سبق أن الاستقراء والاستنباط هما منهجيّتان في البحث والتفكير لهما طرق مختلفة تماماً للتطبيق عند إجراء البحث.

فالاستقراء، بطبيعته، أكثر انفتاحاً ويعد استكشافياً أكثر، خاصة في البداية. أما الاستنباط فهو أضيق بطبيعته ويهتم باختبار الفرضيات أو تأكيدها.

فيما تتمثل الفروق الأساسية بين المنهجين بشكلٍ مفصل بما بلي:

  1. طريقة الاستدلال: يرتكز الاستنباط في طريقته الاستدلالية على الطريقة المتمثّلة بقاعدة من العام إلى الخاص، أما الاستقراء فعلى النقيض منه، أيّ من الخاص إلى العام.
  2. المقدمات: في الاستنباط تكون المقدمة كلّية أو عامّة، وعليه فإنّ النتائج تكون جزئيّة. أمّا في الاستقراء على العكس تكون المقدمة جزئيّة والنتائج كليّة على الدوام.
  3. النتائج: بطبيعة الحال تكون نتيجة الاستنباط صادقة، وذلك لأن النتيجة تكون موجودة أساساً في المقدمة (كما رأينا في الأمثلة أعلاه). بينما تحتمل نتيجة الاستقراء عدّة احتمالات أو فرضيّات دون الوصول يقيناً إليها، ولكنّها تحوي جديداً بطبيعة الحال (كما رأينا أيضاً)
  4. المعلومات: الاستقراء يرتكز على معلومات ناقصة ورسم استنتاج قد يكون حقيقيّ لها، بينما يرتكز الاستنباط على معلومات كافية للوصول إلى حقائق.

العلاقة بين منهجي الاستقراء والاستنباط

رغم الاختلاف الجوهري بين الاستقراء والاستنباط، فإن هناك علاقة تكامليّة بين منهجيّ أو نمطيّ التفكير والبحث هذين.

فعلى الرغم من أن دراسة معيّنة ما قد تبدو وكأنها ااستنباطية بحتة، فإن معظم الأبحاث الاجتماعية تتضمن أو تمرّ بعمليات التفكير الاستقرائي والاستنباطي معاً في وقت ما من المشروع أو من دراسة الظاهرة.

لذا، يمكن القول إنه يجب الانتقال باستمرار من النظريات إلى الملاحظات والعودة مرة أخرى إلى النظريات. حتى في أكثر التجارب تقييداً.

نستنتج مما سبق، بأن الاستقراء والاستنباط رغم اختلافهما بالشكل والمضمون، فإنّهما في بعض الأحيان يرتبطان مع بعضهما البعض ويُكمل كلٌّ منهما الآخر في سبيل توطيد أسس ومرتكزات التفكير والمنطق البشريّ للحصول على نتائج البحث العلمي والمنهجيّ المرجوّة.